في خضم التحولات الرقمية المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، تبرز المملكة العربية السعودية كنموذج استثنائي لتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي على مستوى الشركات والمؤسسات. لم يعد الأمر مجرد توجه مستقبلي، بل أصبح واقعاً ملموساً تكشف عنه الأرقام والإحصاءات الحديثة. وفق ما رصدته تقارير متخصصة من مؤسسات عالمية، فإن المملكة تسير بخطى واثقة نحو تحقيق مستهدفات رؤية 2030 المرتبطة بالاقتصاد الرقمي والتقنية المتقدمة.
أرقام لا تكذب: الذكاء الاصطناعي في القطاع التجاري السعودي
تشير تقارير ماكنزي العالمية إلى أن المملكة العربية السعودية تُعدّ من أسرع الدول في الشرق الأوسط تبنياً لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في القطاع التجاري، إذ تجاوزت نسبة تبني الذكاء الاصطناعي في الشركات الكبرى 65% في عام 2024. كما كشف تقرير IDC للشرق الأوسط أن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي في المملكة بلغ 2.5 مليار دولار في عام 2024، مع توقعات بأن يتضاعف هذا الرقم ثلاث مرات بحلول عام 2028.
وعلى صعيد الاستثمارات الحكومية، أسست المملكة الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) التي تتولى قيادة التحول الرقمي وتطوير بنية تحتية متكاملة للذكاء الاصطناعي على المستوى الوطني. وتعكف سدايا على تنفيذ مبادرات طموحة تشمل منصات بيانات ضخمة، وبرامج تدريب وطنية، وشراكات مع كبرى شركات التقنية العالمية.
القطاعات الأكثر تبنياً للذكاء الاصطناعي
لا يتوزع تبني الذكاء الاصطناعي بالتساوي عبر القطاعات المختلفة، إذ تتصدر القطاعات التالية مشهد الاعتماد على هذه التقنيات في المملكة:
١. القطاع المالي والمصرفي
يُعدّ القطاع المالي من أكثر القطاعات السعودية استثماراً في الذكاء الاصطناعي. تُطبّق البنوك الكبرى كبنك الراجحي والبنك الأهلي السعودي أنظمة ذكاء اصطناعي متطورة في كشف الاحتيال المالي، وتخصيص الخدمات المصرفية، وتحسين تجربة العملاء. وقد أشار تقرير البنك المركزي السعودي (ساما) إلى أن أكثر من 80% من المعاملات المصرفية في المملكة تستخدم نوعاً من أنواع الذكاء الاصطناعي في معالجتها أو مراقبتها.
٢. قطاع الطاقة والنفط
تستثمر أرامكو السعودية، العملاق النفطي العالمي، بشكل ضخم في الذكاء الاصطناعي لتحسين كفاءة استخراج النفط، وصيانة المنشآت التنبؤية، وتحسين سلاسل الإمداد. وقد أعلنت الشركة عن استراتيجية التحول الرقمي التي تجعل من الذكاء الاصطناعي ركيزة أساسية في عمليات الاستكشاف والإنتاج، مما ساهم في تقليص تكاليف التشغيل بنسبة تزيد على 15% خلال السنوات الثلاث الماضية.
٣. قطاع التجزئة والتجارة الإلكترونية
شهد قطاع التجزئة السعودي قفزة نوعية في استخدام الذكاء الاصطناعي، لا سيما بعد جائحة كوفيد-19 التي عجّلت بالتحول نحو التجارة الإلكترونية. تُوظّف منصات مثل نون وإكس-سايت وسلسلة بنده خوارزميات توصية ذكية وتحليل سلوك المستهلك لتحسين تجربة التسوق وزيادة معدلات التحويل. وتُشير بيانات ستاتيستا إلى أن حجم التجارة الإلكترونية في السعودية بلغ 28 مليار دولار عام 2024، ويُتوقع نموه بمعدل 13% سنوياً حتى 2029.
٤. قطاع الرعاية الصحية
لا يقل قطاع الصحة أهمية في مسيرة تبني الذكاء الاصطناعي، إذ تتبنى المستشفيات الكبرى وشبكات الرعاية الصحية تقنيات الذكاء الاصطناعي في التشخيص الطبي وتحليل صور الأشعة وإدارة المواعيد. وقد أطلقت وزارة الصحة السعودية مبادرات متعددة لدمج الذكاء الاصطناعي في المنظومة الصحية الوطنية، بما يشمل برامج الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة.
رؤية 2030 ودور الذكاء الاصطناعي في التنويع الاقتصادي
لا يمكن فهم مسيرة الذكاء الاصطناعي في المملكة بمعزل عن رؤية 2030، الخطة الاستراتيجية الشاملة التي تسعى إلى تنويع مصادر الدخل الوطني وتقليص الاعتماد على النفط. يُشكّل الذكاء الاصطناعي ركيزة جوهرية في مسيرة التحول الرقمي الوطني، ليس فقط كأداة لتحسين الكفاءة، بل كمحرك حقيقي لخلق اقتصاد معرفي متنوع.
وفي هذا السياق، أطلقت المملكة مبادرة الوادي المعرفي في نيوم، التي تستهدف بناء مجمع تقني متكامل يجمع بين البحث والابتكار والتطبيقات التجارية للذكاء الاصطناعي. كما أنشأت المملكة مراكز بحثية متخصصة تعمل على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي عربية تراعي خصوصية اللغة والثقافة المحلية.
تحديات التبني: العقبات أمام الانتشار الواسع
رغم الزخم الكبير الذي يشهده تبني الذكاء الاصطناعي في المملكة، إلا أن ثمة تحديات حقيقية تواجه الشركات في هذا المسار. يأتي في مقدمة هذه التحديات نقص الكوادر البشرية المتخصصة، إذ تُشير دراسات المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن منطقة الشرق الأوسط تعاني من فجوة في المهارات الرقمية قد تُكبّد اقتصاداتها خسائر فادحة إذا لم تُعالج.
وعلى صعيد البنية التحتية، رغم الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات والبنية الرقمية، تواجه بعض الشركات الصغيرة والمتوسطة تحديات في الوصول إلى بنية تحتية مناسبة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي بكفاءة عالية. فضلاً عن ذلك، يبقى موضوع حوكمة البيانات والخصوصية من أبرز المخاوف التي تُلقي بظلالها على مسيرة التبني.
الذكاء الاصطناعي العربي: نماذج لغوية تتحدث بالعربية
من أبرز ما يميز مشهد الذكاء الاصطناعي السعودي هو الاهتمام المتنامي بتطوير نماذج لغوية ضخمة باللغة العربية. أطلقت سدايا نموذج جيس (Jais) بالتعاون مع جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، وهو نموذج لغوي عربي ضخم يُعدّ الأول من نوعه في العالم العربي. كما أعلنت عدة شركات سعودية عن شراكات مع مزودي الذكاء الاصطناعي العالميين لتطوير نماذج مخصصة تفهم السياق الثقافي واللغوي العربي.
شراكات استراتيجية دولية: المملكة تفتح أبوابها للعمالقة التقنيين
شهدت السنوات الأخيرة موجة من الشراكات الاستراتيجية بين المملكة وكبرى شركات التقنية العالمية. وقّعت مايكروسوفت اتفاقية لاستثمار 2.18 مليار دولار في البنية التحتية لخدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي في المملكة. وأعلنت أمازون ويب سيرفيسز عن خطط لإطلاق منطقة سحابية جديدة في الرياض بحجم استثمار يتجاوز 5.3 مليار دولار. وبالمثل، أقامت جوجل كلاود شراكات مع جهات حكومية وخاصة لتعزيز قدرات الذكاء الاصطناعي في السوق السعودية.
الشركات الناشئة السعودية: رواد الذكاء الاصطناعي المحلي
لا تقتصر مسيرة الذكاء الاصطناعي السعودي على الشركات الكبرى، بل تزدهر بيئة ريادة الأعمال بنماذج أعمال مبتكرة تعتمد الذكاء الاصطناعي في صميمها. نشأت شركات ناشئة متخصصة في مجالات التعليم الذكي، والتقنية المالية، وإدارة سلاسل الإمداد، والتسويق الرقمي الذكي. وتحتضن هيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة (منشآت) عدداً كبيراً من هذه الشركات الناشئة وتوفر لها بيئة تمكينية تشمل التمويل والتدريب والتوجيه.
وفقاً لمؤشرات وزارة الاستثمار السعودية، استقطبت الشركات الناشئة السعودية في مجال التقنية والذكاء الاصطناعي استثمارات بلغت 800 مليون دولار خلال عام 2024، بزيادة تناهز 40% مقارنة بعام 2023، مما يعكس الثقة المتصاعدة بمنظومة الابتكار التقني السعودية.
مستقبل الذكاء الاصطناعي في المملكة: توقعات الخبراء
يرسم الخبراء صورة مشرقة لمستقبل الذكاء الاصطناعي في المملكة العربية السعودية. تتوقع دراسة برايس ووترهاوس كوبرز (PWC) أن يُضيف الذكاء الاصطناعي ما يصل إلى 135.2 مليار دولار إلى الاقتصاد السعودي بحلول عام 2030، وهو ما يعادل 12.4% من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة. ويرى المحللون أن هذا النمو سيُعيد تشكيل سوق العمل، وسيخلق وظائف جديدة في تخصصات لم تكن موجودة قبل سنوات.
وفي سياق التعليم وتأهيل الكوادر، يُشهد توسع ملحوظ في برامج الذكاء الاصطناعي في الجامعات السعودية. تُقدم جامعة الملك عبدالعزيز وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن برامج متخصصة في الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة والبيانات الضخمة، استجابةً للطلب المتصاعد من سوق العمل.
خاتمة: موجة لا يمكن إيقافها
يبدو جلياً أن ثورة الذكاء الاصطناعي في المملكة العربية السعودية ليست موجة عابرة، بل مسيرة تحول حضاري عميق تدعمها إرادة سياسية راسخة واستثمارات ضخمة وبيئة تشريعية وتنظيمية مواتية. مع تنامي عدد الشركات التي تُدمج الذكاء الاصطناعي في صميم عملياتها، وتصاعد الإنفاق الحكومي والخاص على هذه التقنيات، تبدو المملكة في طريقها لتحتل مكانة رائدة في خريطة الذكاء الاصطناعي العالمية خلال السنوات القادمة.
لم تعد الشركات السعودية تسأل: “هل نتبنى الذكاء الاصطناعي؟”، بل باتت السؤال الجوهري: “كيف نُسرّع التبني ونُعظّم العائد منه؟”. وهذا التحول في ذهنية الأعمال يُمثّل في حد ذاته انعطافة تاريخية في مسيرة الاقتصاد السعودي نحو المستقبل.


